عبد الرحمن بن محمد البكري

64

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

الآخرة يحب ما في يد غيره من الدنيا ، ورأيت صاحب الدنيا يمدح أبناء الآخرة ، ولا يواصلهم ، ويذم أبناء الدنيا ، ولا يباينهم ، وصاحب الآخرة يداهن أبناء الدنيا ، ولا ينصح أبناء الآخرة فاعلم أنهما ليسا في شئ من الحقيقة ، وإنما هو حب ، وخلابة ، وتصنع ، وتنطع منهما « 1 » . وقال : من طلب الرضى من أهل السخط ، والاستقامة من أهل التخليط ، والإنصاف من أهل الفجور ، والنصيحة من أهل الباطل فقد جهل موضع العلم ، وسلك به غير سبيله . وقال : إذا رأيت الرجل يسفه الحق ، ويغمص الناس فاحذره ، فإذا رأيته يتواضع للحق ، ويعظم أهل الإيمان لغير طمع ، ولا مكافأة فاصحبه . وقال : علامة المرتضى المقبول في هذا الزمان رعاية الفرض ، والصمت ، والهرب ، ومناكرة المعارف ، والدعاء للأمة بالصلاح ، والتخفف من الكثرة ، والعيلة ، والتحري في الملبس ، وسد الجوعة ليس هو بزمان أنس ، ولا اجتماع ، ولا مؤاخاة ، ولا مصافات ، ولا مخالطة ، ولا انتصار لفساد القلوب ، وفيض الحرام ، فطوبى ثم طوبى لمن لم

--> ( 1 ) قال الإمام الشعراني رحمه اللّه : ومما منّ اللّه تبارك وتعالى به علىّ : نفرة نفسي من الدنيا وأبنائها فلا أتمنى قط أن يكون شئ مما بأيديهم في يدي ، ولا أن يكون لي مثل ذلك أبدا ، وهذا من أكبر نعم اللّه تعالى علىّ ، فإن غالب الناس ينظر إلى ظاهر الدنيا دون ما في باطنها من السموم القاتلة والأباطيل والخداع والمصائد ، ولذلك تزاحموا عليها وتحاسدوا وتباغضوا ، وانقبضوا لفقدها ، وانشرحوا لوجودها ، ويعد أحدهم اليوم الذي يقوم فيه من النوم ، ويجد عند رأسه شكارة فيها عشرة آلاف دينار ذهبا يوم عيد ، وأنا بحمد اللّه تبارك وتعالى بالعكس من ذلك . . وقد ذقت بحمد اللّه عز وجل هذا المقام ، ولذلك ما أعلم أحدا يكرهني قط إلا حسدا ، فإني لم يقع لي أنني زاحمت أحدا على تدريس علم ولا وظيفة ، ولا تزوجت له امرأة في حال حياته ، ولا غير ذلك ، فافهم هداك اللّه ، والحمد للّه رب العالمين اه . انظر : لطائف المنن ( ص 108 ) .